حمزة رويجع
مع بداية فصل الصيف، وبينما تستعد مدينة الجديدة لاستقبال آلاف المصطافين والزوار، عاد مشهد طالما أثار غضب الساكنة ليفرض نفسه بقوة. حاويات ممتلئة عن آخرها، وأكياس نفايات متناثرة فوق الأرصفة، وروائح كريهة تزحف إلى الأحياء السكنية، في وقت كان الجميع ينتظر أن تشكل الصفقة الجديدة لتدبير قطاع النظافة نقطة تحول حقيقية في تحسين جودة الخدمات.
غير أن الصورة الأكثر تعبيرا عن حجم الأزمة تتجسد اليوم داخل حي السعادة، أكبر حي بمدينة الجديدة من حيث المساحة وعدد السكان، والذي تحول في الأيام الأخيرة إلى عنوان بارز لمعاناة يومية مع تراكم النفايات، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول واقع تدبير واحد من أهم المرافق العمومية بالمدينة.
حي السعادة… أكبر تجمع سكاني وأكبر المتضررين
لا يحتاج الزائر إلى كثير من الوقت حتى يكتشف أن حي السعادة لم يعد يعاني فقط من الضغط العمراني والكثافة السكانية، بل أصبح يعيش أيضا تحت ضغط أكوام النفايات.
فالحي الذي يحتضن آلاف الأسر ويعد القلب النابض للتوسع العمراني بمدينة الجديدة، تنتشر داخله عشرات نقاط تجميع النفايات، والتي أصبحت في عدد كبير منها عاجزة عن استيعاب الكميات اليومية من الأزبال.
وبجولة ميدانية داخل عدد من الأزقة والشوارع، يظهر بوضوح أن الحاويات لم تعد تستوعب المخلفات المنزلية، ما دفع المواطنين إلى رمي الأكياس بجانبها، لتتحول الأرصفة إلى مطارح صغيرة مفتوحة، خصوصا مع ارتفاع درجات الحرارة التي تسرع من تحلل النفايات وانبعاث الروائح الكريهة.
ويؤكد عدد من السكان أن الوضع لم يعد يحتمل، خاصة بالنسبة للأطفال وكبار السن، بعدما أصبحت الحشرات والبعوض والكلاب الضالة والقطط تنتشر حول أكوام الأزبال بشكل يومي.
ويقول أحد سكان الحي إن “حي السعادة هو أكبر حي في الجديدة، ومن الطبيعي أن ينتج أكبر كمية من النفايات، لكن من غير الطبيعي أن تبقى هذه النفايات لساعات طويلة، بل أحيانا لأيام، دون رفعها.”
أزمة تمتد إلى أحياء أخرى
ورغم أن حي السعادة يعد الأكثر تضررا بحكم كثافته السكانية، فإن الأزمة لم تقتصر عليه وحده.
فقد سجلت الساكنة مظاهر مشابهة بعدد من الأحياء، حيث امتلأت الحاويات بشكل كامل، بينما تراكمت أكوام الأزبال في محيطها، في صورة أعادت إلى الأذهان سنوات كانت فيها أزمة النظافة عنوانا دائما بمدينة الجديدة.
وأصبح الحديث داخل الأوساط المحلية لا يدور فقط حول وجود نفايات، بل حول تراجع واضح في انتظام عمليات الجمع والنقل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على جودة العيش داخل المدينة.
صفقة تفوق خمسة مليارات سنتيم… فأين الخلل؟
المفارقة التي تزيد من حدة الانتقادات، أن هذه الأزمة تأتي بعد أشهر قليلة فقط من دخول عقد التدبير المفوض الجديد حيز التنفيذ.
فقد أسندت جماعة الجديدة تدبير قطاع النظافة إلى شركة “أرما” في إطار صفقة سنوية تفوق قيمتها خمسة مليارات سنتيم، تشمل جمع النفايات المنزلية وتنظيف المدينة، إضافة إلى صفقة خاصة بتدبير مطرح النفايات.
وعند الإعلان عن انطلاق العقد الجديد، تم تقديم أسطول حديث يضم شاحنات جديدة وآليات للكنس والتنظيف، إلى جانب دراجات للتدخل السريع، مع وعود بتغطية شاملة لمختلف أحياء المدينة وتحسين جودة الخدمات.
كما تم الإعلان عن تشكيل لجنة مشتركة بين الجماعة والشركة للمراقبة اليومية، مع التأكيد على احترام دفتر التحملات واعتماد حكامة جديدة في تدبير القطاع.
لكن بعد مرور أشهر فقط، تجد المدينة نفسها أمام أزمة تعيد إلى الأذهان الأسئلة القديمة نفسها.
ماذا قال رئيس جماعة الجديدة؟
خلال حفل إعطاء الانطلاقة الرسمية للأسطول الجديد يوم 22 ماي 2025، أكد رئيس جماعة الجديدة جمال بن ربيعة أن قطاع النظافة يعد من أهم الاختصاصات الجماعية، وأن المدينة تطوي صفحة الماضي وتفتح صفحة جديدة مع شركة “أرما” في إطار عقد واضح والتزامات دقيقة.
كما دعا الشركة إلى الالتزام الصارم بدفتر التحملات، مطالبا جميع المتدخلين بالانخراط لإنجاح هذا الورش الحيوي.
كما شدد على أن الهدف هو جعل الجديدة مدينة نظيفة وعصرية تستجيب لتطلعات الساكنة.
غير أن الوقائع الميدانية الحالية تطرح سؤالا مشروعا حول مدى تنفيذ تلك الالتزامات على أرض الواقع.
المطرح… الحلقة التي أربكت المنظومة
مصادر مطلعة ترجع السبب المباشر للأزمة الحالية إلى توقف نشاط مطرح النفايات بشكل مؤقت.
وحسب المعطيات المتداولة، فإن الشركة المكلفة بتدبير المطرح واجهت صعوبات مالية نتيجة عدم توصلها بمستحقاتها منذ عدة أشهر، وهو ما انعكس على قدرتها على أداء أجور العمال، لتدخل هذه الأخيرة في نزاع انتهى بتوقف العمل داخل المطرح.
وتسبب هذا التوقف في تعطيل عملية تفريغ شاحنات جمع النفايات، لتتراكم الأزبال داخل المدينة بشكل متسارع.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر يكشف أن تدبير قطاع النظافة لا يرتبط فقط بعمل الشاحنات داخل الأحياء، بل بمنظومة متكاملة تبدأ من جمع النفايات وتنتهي داخل المطرح، وأي خلل في إحدى حلقاتها يؤدي إلى شلل كامل في الخدمة.
المجتمع المدني يدق ناقوس الخطر
فيدرالية الأحياء السكنية بمدينة الجديدة دخلت بدورها على خط الأزمة، حيث اعتبرت في بيان لها أن المدينة عادت إلى “عادتها القديمة” في مجال النظافة.
وأكدت الفيدرالية أن أكوام النفايات أصبحت تحاصر العديد من الأحياء، في مشهد وصفته بالمستفز، خاصة في عز الموسم الصيفي.
وحذرت من الانعكاسات البيئية والصحية لهذا الوضع، خصوصا مع ارتفاع درجات الحرارة، وما يرافق ذلك من تخمر سريع للنفايات وانتشار الروائح والحشرات.
كما أشارت إلى أن المدينة أصبحت توصف للأسف بأزمة النظافة، معتبرة أن سوء التدبير هو السبب الرئيسي في تكرار هذا السيناريو كل صيف.
وطالبت بإيجاد حل عاجل للمشكل، حتى لا تستمر المدينة في دفع ثمن اختلالات تدبير مرفق حيوي يمس الحياة اليومية للمواطنين.
هل تحترم بنود دفتر التحملات؟
الأزمة الحالية تعيد إلى الواجهة نقاشا أوسع حول مدى احترام دفتر التحملات.
فهل يتم احترام عدد الشاحنات المنصوص عليها؟
وهل تعمل جميع الآليات المعلن عنها؟
وهل يتم احترام عدد دوريات جمع النفايات داخل الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، وعلى رأسها حي السعادة؟
وهل تقوم لجنة التتبع بالمراقبة اليومية كما تم الإعلان عنه عند انطلاق العقد؟
أسئلة أصبحت الساكنة تنتظر بشأنها أجوبة واضحة، خصوصا وأن قطاع النظافة يكلف ميزانية ضخمة من المال العام.
خطر صحي يهدد السكان
خبراء في المجال البيئي يؤكدون أن استمرار تراكم النفايات لا يمثل فقط مشكلة جمالية، بل يشكل تهديدا مباشرا للصحة العامة.
فارتفاع درجات الحرارة يسرع عملية تحلل النفايات، ويؤدي إلى انبعاث غازات وروائح كريهة، كما يساهم في تكاثر الذباب والبعوض والقوارض، وهي كلها عوامل قد تتسبب في انتشار أمراض وتعريض السكان، خاصة الأطفال، لمخاطر صحية متعددة.
صورة مدينة سياحية على المحك
الجديدة ليست مدينة عادية، بل تعد من أبرز الوجهات السياحية بالمغرب، خاصة خلال شهري يوليوز وغشت.
ومع توافد آلاف الزوار على شواطئها ومرافقها السياحية، فإن أول ما يلفت الانتباه هو مستوى النظافة.
ويرى فاعلون محليون أن استمرار هذا الوضع قد ينعكس سلبا على صورة المدينة، خصوصا في ظل المنافسة التي تعرفها المدن الساحلية لاستقطاب السياح.
منصات التواصل تكشف “النقاط السوداء” للنفايات بحي السعادة
ولم يقتصر التفاعل مع أزمة النظافة على شكاوى السكان والبيانات الصادرة عن فعاليات المجتمع المدني، بل امتد إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث بادر عدد من النشطاء إلى توثيق ما وصفوه بـ”النقاط السوداء” التي تعرف تراكمًا كبيرًا للنفايات في عدة أحياء، وفي مقدمتها حي السعادة. ومن بين أبرز هذه التوثيقات، نشر الناشط سعد بسطيلي شريط فيديو من قلب الحي، رصد فيه مشاهد لأكوام من الأزبال المتراكمة في منتصف النهار، في وقت يفترض أن تكون عمليات جمع النفايات قد أُنجزت وفق البرنامج اليومي. ووجّه بسطيلي، من خلال الفيديو، تساؤلات مباشرة قال فيها: “أين اختفت شركة النظافة؟ وأين اختفى المجلس الجماعي؟”، معتبراً أن الساكنة لم تعد تبحث عن تبريرات بقدر ما تنتظر تحديد المسؤولية والتدخل العاجل لإنهاء هذا الوضع. وقد أظهر الشريط حاويات ممتلئة عن آخرها وأكوامًا من النفايات المنزلية متناثرة بجوارها، في مشاهد أعادت إلى الواجهة النقاش حول مدى نجاعة تدبير مرفق النظافة، خاصة في أكبر حي سكني بمدينة الجديدة، وفي فترة تعرف فيها المدينة ذروة الموسم الصيفي واستقبال أعداد متزايدة من الزوار. وقد لقي الفيديو تفاعلاً واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر العديد من المتابعين عن استيائهم من تكرار هذا المشهد، مطالبين بتدخل فوري لإعادة الوضع إلى طبيعته، وربط المسؤولية بالمحاسبة في حال ثبوت أي تقصير في تنفيذ الالتزامات التعاقدية الخاصة بتدبير قطاع النظافة.
من يتحمل المسؤولية؟
اليوم، لا يبحث المواطن عن تبادل الاتهامات بين المتدخلين بقدر ما يبحث عن حل سريع يعيد المدينة إلى وضعها الطبيعي.
فإذا كان سبب الأزمة مرتبطا بالمطرح، فإن المطلوب هو معالجة أصل المشكل بشكل عاجل.
وإذا كان السبب يعود إلى اختلالات في تنفيذ العقد، فإن تفعيل آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة يصبح أمرا ضروريا.
أما إذا كانت الأزمة نتيجة تراكم عدة عوامل، فإن تدبيرها يتطلب تنسيقا فوريا بين جماعة الجديدة والسلطات الإقليمية والشركة المفوض لها، حتى لا تتحول الأزمة الظرفية إلى واقع دائم.
تكشف أزمة النظافة الحالية أن حي السعادة، أكبر أحياء مدينة الجديدة وأكثرها كثافة سكانية، أصبح المرآة التي تعكس واقع هذا المرفق العمومي. فحين تختنق أزقته بالأزبال، فإن ذلك لا يمثل مجرد مشكلة محلية، بل مؤشرًا على خلل يمس منظومة تدبير مدينة بأكملها. وبين الوعود التي رافقت إطلاق الأسطول الجديد، والواقع الذي يعيشه السكان اليوم، يبقى الرهان معلقًا على تدخل عاجل يعيد الانتظام إلى خدمة جمع النفايات، ويحفظ صحة المواطنين، ويصون صورة الجديدة كمدينة سياحية واقتصادية تستحق خدمات عمومية ترقى إلى تطلعات ساكنتها وزوارها.
